أبو نصر الفارابي

39

الجمع بين رأيي الحكيمين

سيد حرّ ، والأجنبي ( البربري ) عبد له ، ولا يستعبد اليوناني أخاه بأي حال . هذه فكرة « الشعب المختار » ظنها أرسطو أولية كلية ضرورية . فارسطو يقبل الرق كما قبله أفلاطون ، ويرفع الشعب اليوناني إلى مقام السيد من سائر الشعوب . ولكنه يقول إن ابن العبد بالطبع لا يرث بالضرورة انحطاط أبيه ، فإن لم يرثه لم يكن عبدا بالطبع وانفتح امامه باب العتق . وأرسطو يوجب على السيد ان يحسن استخدام سلطانه على رقيقه ، وان يعامله معاملة انسانية . والمعنى الذي يؤخذ من مجموع أقواله هو ان الرقيق خادم مدى الحياة . اما المدينة فلها غاية عليا هي معاونة الافراد على بلوغ كمالهم العقلي والخلقي . ولها غاية أدنى هي توفير أسباب المعاش . والغاية الثانية وسيلة للأولى وخاضعة لها من حيث إن سعادة الانسان عقلية خلقية . لذلك يجب على الدولة ان تقف الاستعداد الحربي والتجارة عند الحد الملائم للغاية العليا ، وهي تفوت على الافراد هذه الغاية حتما إذا اتخذت من دونها الحرب غاية كمدينة اسبرطة ، أو التجارة والملاحة كبعض مدن أخرى . اما الحرب فواضح انها وسيلة لصيانة الحق أو لاسترداده ، ولا يمكن أن تكون الحالة الطبيعية للمدينة . واما التجارة فالأصل فيها المبادلة ، مبادلة الأشياء بأشياء ، لإرضاء الحاجات الضرورية . ثم اخترع النقد وسيلة للمبادلة ورمزا للثروة . وما لبث ان انقلب غاية يطلب لذاته ، وصار الانتاج غاية كذلك بعد ان كان وسيلة للحياة يقدر على قدر حاجاتها ! فنشأت التجارة ، وهي غير طبيعية لأنها مبادلة الأشياء لا بأشياء أخرى لأغراض طبيعية ، بل بالنقد وهو اختراع غير طبيعي ، ولأن هذه المبادلة تجري دون مراعاة الحد الضروري للحياة . ومن باب أولى الربا غير طبيعي ، لأنه مبادلة النقد بالنقد نفسه ، والنقد معدن لا ينتج كالحقل ولا يلد كالماشية ، فلا يصح عدلا ان تتقاضى « فائدة » عن النقد . فارسطو يميل اذن إلى عيشة بسيطة أقرب إلى الطبيعة والقناعة منها إلى الاختراع والترف ، ويريد المدينة غنية بالعلم والفضيلة لا بالمال والسلطان . المدينة : ان الأسرة والملكية صادرتان عن الطبيعة لا عن الوضع والعرف ، فإلغاؤهما معرض لميل الطبيعة ولخير الدولة جميعا ومستحيل التنفيذ . لا شك في أن الملكية الخاصة لها مساوئ ، ولكن الملكية المشتركة والمعيشة المشتركة مصدر خلافات أيضا ، وهما تقتلان الرغبة في العمل ، فان الانسان لا يعنى عادة بغير نفسه وأهله ، ويتواكل فيما يختص بالصالح العام . ثم إن الشعور بالملكية مصدر لذة ، لأنه نوع من حب الذّات ، واستخدام الملكية لمساعدة الأصدقاء والمعارف ،